أحمد بن محمد القسطلاني
18
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
فيها . وليست أو للشك بل للتنويع ، وفيه أن كل واحد من البرد والمطر عدر بانفراده . لكن في رواية : كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول : ألا صلوا في الرحال . فلم يقل في سفر . وفي بعض طرق الحديث عند أبي داود : ونادى منادي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المدينة في الليلة المطيرة والغداة القرّة ، فصرّح بأن ذلك في المدينة ليس في سفر . فيحتمل أن يقال لما كان السفر لا يتأكد فيه الجماعة ، ويشق الاجتماع لأجلها ، اكتفى فيه بأحدهما ، بخلاف الحضر فإن المشقة فيه أخفّ ، والجماعة فيه آكد ، وظاهره التخصيص بالليل فقط دون النهار ، وإليه ذهب الأصحاب في الريح فقط دون المطر والبرد ، فقالوا في المطر والبرد : إن كلاًّ منهما عذر في الليل والنهار ، وفي الريح العاصفة عذر في الليل فقط ، جزم به الرافعي والنووي . فإن قلت : في حديث ابن عباس السابق في باب الكلام في الأذان : فلما بلغ المؤذن : حيّ على الصلاة فأمره أن ينادي : الصلاة في الرحال . وهو يقتضي أن ذلك يقال بدلاً عن الحيعلة ، وظاهر الحديث هنا أنه بعد الفراغ من الأذان ، فما الجمع بينهما ؟ أجيب بجواز الأمرين كما نص عليه الشافعي في الأم ، لأمره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بكلٍّ منهما ، ويكون المراد من قوله : الصلاة في الرحال ، الرخصة لمن أرادها ، وهلموا إلى الصلاة الندب لمن أراد استكمال الفضيلة ولو تحمل المشقّة . وفي حديث جابر المروي في مسلم ما يؤيد ذلك ولفظه : خرجنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سفر فمطرنا ، فقال : ليصلّ من شاء منكم في رحله . وقد تبين بقوله : من شاء . أن أمره عليه الصلاة والسلام بقوله : ألا صلوا في الرحال ، ليس أمر عزيمة حتى لا يشرع لهم الخروج إلى الجماعة ، إنما هو راجع إلى مشيئتهم ، فمن شاء صلّى في رحله ومن شاء خرج إلى الجماعة . 633 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالأَبْطَحِ ، فَجَاءَهُ بِلاَلٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلاَةِ ، ثُمَّ خَرَجَ بِلاَلٌ بِالْعَنَزَةِ حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالأَبْطَحِ ، وَأَقَامَ الصَّلاَةَ " . وبه قال : ( حدّثنا إسحاق ) وفي رواية : إسحاق بن منصور ، وجزم به خلف في الأطراف له ( قال : أخبرنا جعفر بن عون ) بفتح العين المهملة وإسكان الواو ( قال : حدّثنا أبو العميس ) بضم العين المهملة وفتح الميم آخره سين مهملة مصغرًا ( عن عون بن أبي جحيفة ) بتقديم الجيم المضمومة على المهملة المفتوحة ( عن أبيه ) أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي رضي الله عنه ( قال : رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) حال كونه ( بالأبطح ) مكان بظاهر مكة معروف ( فجاءه بلال ) المؤذن ( فأذنه ) بالمدّ ، أي أعلمه ( بالصلاة ، ثم خرج بلال ) ولأبي الوقت ثم أخرج ( بالعنزة ) بفتح النون أطول من العصا ، وهمزة أخرج بالضم مبنيًّا للمفعول ( حتى ركزها بين يدي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالأبطح ) سترة ( وأقام ) بلال ( الصلاة ) . 19 - باب هَلْ يَتَتَبَّعُ الْمُؤَذِّنُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا ، وَهَلْ يَلْتَفِتُ فِي الأَذَانِ ؟ وَيُذْكَرُ عَنْ بِلاَلٍ أَنَّهُ جَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لاَ يَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : لاَ بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ . وَقَالَ عَطَاءٌ : الْوُضُوءُ حَقٌّ وَسُنَّةٌ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ . هذا ( باب ) بالتنوين ( هل يتتبع المؤذن فاه ) بالمثناة التحتية والمثناتين الفوقيتين ، والموحدة المشددة المفتوحات ، من التتبّع وللأصيلي يتبع بضم أوله وإسكان المثناة الفوقية وكسر الموحدة من الاتباع . والمؤذن فاعل ، وفاه مفعوله ( هاهنا وهاهنا ) أي جهتي اليمين والشمال . وعند أبي عوانة في صحيحه من رواية عبد الرحمن بن مهدي ، فجعل يتتبع بفيه يمينًا وشمالاً وأعرب البرماوي كالكرماني المؤذن بالنصب وفاه بدلاً منه ، والفاعل الشخص مقدّرًا قال : ليطابق قوله في الحديث : أتتبع فاه انتهى . وتعقب بأن فيه من التكلف ما لا يخفى ، وليست المطابقة بلازمة ، وجعل غير اللازم لازمًا لا يخفى ما فيه ( وهل يلتفت ) المؤذن برأسه ( في الأذان ) يمينًا وشمالاً ، أي في حيعلتيه . ( ويذكر ) بضم الياء وفتح الكاف بصيغة التمريض ، فيما رواه عبد الرزاق وغيره عن سفيان ( عن بلال ) المؤذن ( أنه جعل ) أنملتي ( إصبعيه ) مسبحتيه ( في ) صماخي ( أذنيه ) ليعينه ذلك على زيادة رفع صوته ، أو ليكون علامة للمؤذن ليعرف مَن يراه على بعد ، أو كان به صمم أنه يؤذن . ورواه أبو داود ، ولفظ ابن ماجة من حديث سعد القرظ ، أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أمر بلالاً أن يجعل إصبعيه في أُذنيه . لكن في إسناده ضعف ، وهو عند أبي عوانة عن مؤمل عن سفيان وله شواهد . ( وكان ابن عمر ) بن الخطاب مما رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة من طريق نسير بالنون والمهملة مصغرًا ابن ذعلوق ، بالذال المعجمة المضمومة وسكون العين المهملة وضم اللام ، عنه